لا أذكر بدقة كم كان عمري حينها ربما 8 سنوات، ولكن ما أذكره بجميع تفاصيله أنني في هذا اليوم منذ 15 سنة ملأني عزم شديد على .. "الهروب من المنزل"!!
لا تتعجبوا فلدي سبباً "مقنعاً للغاية" .. كما تعلمون -أو ربما بعضكم لا يعلم- فأنا الأخ الأصغر بين إخوتي وهذا هو أساس المشكلة، فكل مشاوير الشراء من البقال موكلة إليّ .. "إنزل يا محمد اشتريلنا كيس مكرونة"، "روح يا محمد للوسام -البقال بجوار المنزل- إشتري علبة صلصة وهات 3 أكياس شيبسي ليك ولإخواتك"، "أنا مش نازل" والكلام لأخي الأكبر وبالطبع يكون الحل الفوري "إنزل يا محمد إنتا عشان أخوك مش عايز ينزل"!!!
ألا ترون كم الاضطهاد الذي أعيش فيه؟ ألا ترون أن ذلك سببا كافيا لأهرب من المنزل؟
أجلس وحيدا في الصالة بعد أن تم تكليفي بمهمة شراء بعض الأشياء من البقال، وكان شعوري بالتعرض للاضطهاد حينها قد وصل لذروته. كانوا جميعا بالداخل لا يدركون أي شيء عن المفاجأة التي أجهزها لهم، كانت الطلبات كثيرة في هذا اليوم؛ إذن فالمبلغ المعطى لي "محترم" يكفي لتنفيذ الخطة. سوف أنزل بهدوء وكأنني في سبيلي للبقال، هكذا سيظنون، ولكنني سأذهب بعيدا بعيدا حيث لا يوجد من يأمرني بالنزول للبقال .. هل أسلم عليهم قبل "الهروب"، ربما يكون الوداع الأخير؟!! لا، هكذا سيكتشفون الخطة. ستمر الساعات دون أن أعود .. هل سيقلقون علي؟!! لا يهمني .. هم المخطئون في البداية. هل سيبحثون عني في الشوارع؟!! ربما .. ولكنني سأختبئ كي لا يجدوني. ولكن مهلاً .. لقد فاتني شيئا مهما في الخطة .... إلى أين سأذهب؟!!!!! أين سأنام عندما يحل الليل؟ كيف سأدبر نفقات الطعام عندما أستنفذ المبلغ الذي بحوزتي؟!!
ربما يجب أن أؤجل هذه الخطة لبعض الوقت. وتنتهي ثورة المشاعر بداخلي بالذهاب لـ"الوسام" مستسلما والعودة للمنزل محملاً بالطلبات.
لا أذكر أنه راودني هذا الشعور بالاضطهاد بعد ذلك، ربما أدركت بعقلي حينها وبإدراكي البسيط لعلاقة المصلحة المتبادلة أنهم كما يحتاجون إلى .. فأنا كذلك أحتاج إليهم!